محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
184
سبل السلام
الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم أخرجه مسلم . في الشح وفي التفرقة بينه وبين البخل أقوال ، فقيل في تفسير الشح إنه أشد من البخل وأبلغ في المنع من البخل ، وقيل : هو البخل مع الحرص ، وقيل البخل في بعض الأمور والشح عام ، وقيل : البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده . وقوله : فإنه أهلك من كان قبلكم يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام الحديث وهو قوله : حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وهذا هلاك دنيوي ، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته عن ذهابه في النفقات ، فضموا إليه مال الغير صيانة له ، ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب والعصبية المفضية إلى القتل واستحلال المحارم ، ويحتمل أن يراد به الهلاك الأخروي ، فإنه يتفرع عما اقترفوه من ارتكاب هذه المظالم ، والظاهر حمله على الامرين واعلم أن الأحاديث في ذم الشح والبخل كثيرة ، والآيات القرآنية كقوله تعالى : * ( والذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه ) * * ( ولا تحسبن الذين يبخلون بما اتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ) * * ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) * في الحديث ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه زيادة ، وفي الدعاء النبوي : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن - إلى قوله - والبخل أخرجه الشيخان ، وقال صلى الله عليه وسلم : شر ما في الرجل شح هالع ، وجبن خالع أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا ، والآثار فيه كثيرة فإن قلت : وما حقيقة البخل المذموم ؟ وما من أحد إلا وهو يرى نفسه أنه غير بخيل ويرى غيره بخيلا ، وربما صدر فعل من انسان فاختلف فيه الناس فيقول جماعة : إنه بخيل ويقول آخرون : ليس بخيلا فماذا حد البخل الذي يوجب الهلاك وما حد البذل يستحق العبد به صفة السخاوة وثوابها ؟ . قلت : السخاء : هو أن يؤدي ما أوجب عليه ، والواجب واجبان : واجب الشرع : وهو ما فرضه الله تعالى من الزكاة والنفقات لمن يجب عليه إنفاقه وغير ذلك ، وواجب المروءة والعادة . والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة ، فإن منع واحدا منهما فهو يخيل ، لكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل ، فمن أعطى زكاة ماله مثلا ونفقة عياله بطيبة نفسه ويتيمم الخبيث من ماله في حق الله فهو سخي . والسخاء في المروءة أن يترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والاشخاص ، وتفصيله يطول فمن أراد استيفاء ذلك راجع الاحياء للغزالي رحمه الله . واعلم أن البخل داء له دواء وما أنزل الله من داء إلا وله دواء ، وداء البخل أمران الأول : حب الشهوات التي لا يتوصل إليها إلا بالمال وطول الأمل ، والثاني : حب ذات المال والشغف به وببقائه لديه ، فإن الدنانير مثلا رسول تنال به الحاجات والشهوات فهو محبوب لذلك ثم صار محبوبا لنفسه ، لان الموصل إلى اللذات لذيذ ، فقد ينسى الحاجات والشهوات وتصير الدنانير